ورقة تحليلية
التطويق الجيوسياسي والظلم البيئي
تقويض خطة عطاروت المزدوجة لمقومات الوجود الفلسطيني في شمال القدس
تعمل الحكومة الإسرائيلية وبلدية القدس، بالتوازي، على الدفع بمشروعين ضخمين ومتعارضين في منطقة عطاروت/قلنديا الاستراتيجية شمال القدس الشرقية المحتلة: مشروع مستوطنة عطاروت، ومشروع منشأة تحويل النفايات إلى طاقة (Waste to Energy – W2E).
ورغم اختلاف طبيعة المشروعين، فإنهما يشكلان جزءًا من منظومة واحدة على المستوى الجغرافي والوظيفي، إذ يخدمان تعزيز السيطرة الإسرائيلية الديموغرافية والبلدية على الأرض المحتلة، على حساب التجمعات الفلسطينية المحيطة.
ويفضي الجمع بين مشروع سكني واسع النطاق ومنشأة صناعية ملوِّثة وخطرة في الموقع ذاته إلى مفارقة تخطيطية عميقة، تتعارض مع أبسط مبادئ التخطيط الحضري، وتفاقم المخاطر البيئية، وتعمّق في الوقت ذاته الأزمات السياسية والقانونية القائمة.
العدد المتوقع للمستوطنين وفق معطيات وزارة الإسكان الإسرائيلية.
أولاً:مشروع مستوطنة عطاروت
يمثل مشروع مستوطنة عطاروت (الخطة رقم 0764936-101) أحد أبرز مشاريع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في القدس الشرقية، إذ يستهدف أراضي مطار قلنديا السابق. وقد أُودعت الخطة للمصادقة في 3 كانون الأول/ديسمبر 2020، قبل أن تُدفع بصورة متسارعة خلال عام 2025، في إطار السياسة الإسرائيلية الرامية إلى تكريس السيطرة على القدس الشرقية وتعزيز الوجود الاستيطاني فيها.
يوضح الشكل التالي الموقع الإقليمي للمستوطنة المقترحة، والعناصر الجغرافية المحيطة بها، بما يكشف عن أهميتها الجيوسياسية ودورها ضمن المخطط الأشمل للمنطقة.

أ.نطاق المشروع وموقعه وأهدافه الديموغرافية
تنص الخطة على إقامة 9000 وحدة سكنية فوق مساحة تبلغ 1243 دونمًا، لاستيعاب نحو 30 ألف مستوطن، وفق معطيات وزارة الإسكان الإسرائيلية. كما تشمل إنشاء 800 وحدة سكنية محمية مخصصة أساسًا لليهود الحريديم (اليهود الأرثوذكس المتشددين).
ولا يقتصر المشروع على البناء السكني، بل يتضمن إقامة مناطق تجارية، ومراكز تشغيل، ومؤسسات عامة، تشمل المدارس والمرافق الصحية، إلى جانب الحدائق والمساحات العامة، وجميعها مخصصة لخدمة المستوطنين الإسرائيليين دون غيرهم.
تقع المستوطنة المقترحة على أراضي مطار قلنديا السابق، المتاخمة مباشرة لمنطقة عطاروت الصناعية، وتحاذي عددًا من أكثر التجمعات الفلسطينية كثافة سكانية، من بينها بيت حنينا، وكفر عقب، والرام، وقلنديا البلد.
ويهدف اختيار هذا الموقع إلى إنشاء كتلة عمرانية إسرائيلية كبيرة عند المدخل الشمالي للقدس، بما يفرض مزيدًا من القيود المكانية على الأحياء الفلسطينية المحيطة، ويعمّق عزلها الجغرافي ويزيد من تفتيت التواصل العمراني بينها.
ب.الحالة التخطيطية والنتائج البيئية
ناقشت لجنة التخطيط والبناء اللوائية في القدس مشروع مستوطنة عطاروت خلال اجتماعها المنعقد في كانون الثاني/يناير 2025، حيث تناولت جملة من القضايا الجوهرية، من بينها الاعتبارات الأمنية، وملكية الأراضي، ومستويات التلوث في موقع المشروع.
وفي الجانب الأمني، استعرضت اللجنة التدابير المقترحة لحماية المستوطنة، والتي شملت فرض قيود على البناء بمحاذاة الحدود الخارجية، وإقامة أسوار أمنية واسعة. وقد اعتبرت اللجنة هذه الإجراءات كافية لتوفير الحماية للمستوطنين مستقبلاً، من دون أن تتطرق إلى التداعيات المحتملة لتكثيف الوجود العسكري وتوسيع منظومة المراقبة على التجمعات الفلسطينية المجاورة.
في المقابل، كشف الفحص التخطيطي والبيئي عن اختلالات بيئية خطيرة في الموقع المزمع إقامة المستوطنة عليه، أبرزها:
- تلوث التربة: تعاني أراضي مطار قلنديا السابق من مستويات مرتفعة من تلوث التربة. فقد أظهرت الفحوصات البيئية وجود تراكيز مرتفعة للغاية من عنصر الكوبالت تجاوزت الحدود التنظيمية المسموح بها بأضعاف كبيرة، إلى جانب تسجيل مستويات مرتفعة من عنصري المنغنيز والثاليوم. وتشير هذه النتائج بوضوح إلى وجود تلوث صناعي متراكم في الموقع، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر بيئية وصحية جسيمة.
- تلوث الهواء: تشير المعطيات الرسمية إلى أن منطقة عطاروت الصناعية تُعد أحد أبرز مصادر تلوث الهواء في المنطقة. فقد استعرضت اللجنة بيانات تؤكد أن تركيز الجسيمات العالقة PM10 يتجاوز بصورة مستمرة الحدود التنظيمية المعتمدة. كما بينت البيانات أن مستويات التلوث تنخفض بشكل ملحوظ خلال عطلة نهاية الأسبوع، بالتزامن مع توقف النشاط الصناعي، وهو ما يؤكد أن المصدر الرئيس لهذا التلوث هو الأنشطة الصناعية في المنطقة. ولا تقتصر آثار هذا التلوث على موقع المشروع، بل تمتد بصورة غير متكافئة إلى التجمعات الفلسطينية المجاورة، التي تتحمل العبء الأكبر من تداعياته الصحية والبيئية.
إن المضي في تنفيذ مشروع مستوطنة عطاروت، رغم التوثيق الرسمي لمستويات التلوث المرتفعة في الموقع، يعكس نهجًا يقدّم الاعتبارات الديموغرافية وأهداف تهويد القدس على حساب الاعتبارات البيئية وسلامة السكان القاطنين في المنطقة.
ثانيًا:مشروع منشأة تحويل النفايات إلى طاقة (W2E)
يقوم مشروع منشأة تحويل النفايات إلى طاقة (Waste-to-Energy – W2E) على إنشاء محطة مركزية لحرق النفايات البلدية بهدف إنتاج الطاقة، على أن تخدم بصورة رئيسية احتياجات معالجة النفايات في منطقة القدس الكبرى. ويقع الموقع المقترح للمنشأة في المنطقة المبينة في الشكل (1) أعلاه.
أ.نطاق المشروع وموقعه والسياق القانوني
جرى تسريع المشروع رسميًا بموجب قرار الحكومة رقم 3067 لسنة 2025، استنادًا إلى القرار رقم 1836 الصادر في 5 حزيران/يونيو 2024، والذي يهدف، بحسب الحكومة الإسرائيلية، إلى تعزيز صمود مدينة القدس وتحسين منظومة معالجة النفايات في المنطقة الحضرية.
ومن المخطط إقامة المنشأة على أراضٍ تقع بمحاذاة منطقة عطاروت الصناعية، وبالقرب المباشر من قرية قلنديا البلد الفلسطينية ومن مشروع مستوطنة عطاروت.
ويتطلب تنفيذ المشروع مصادرة نحو 130 دونمًا من الأراضي الفلسطينية. وقد باشرت سلطة أراضي إسرائيل بالفعل باتخاذ إجراءات عملية، تمثلت في توجيه أوامر إخلاء إلى عدد من العائلات في قلنديا البلد، تطالبهم بإخلاء منازلهم وأراضيهم خلال عشرين يومًا، بما يهدد بفقدان مساكنهم وأراضيهم الزراعية.
ويرتكز الأساس القانوني للمصادرة إلى إعلان أصدره وزير المالية في 27 أيار/مايو 2025، أعاد بموجبه تفعيل ثلاثة أوامر مصادرة قديمة تعود إلى عامي 1970 و1982.
ورغم أن المشروع لا يزال يمر بإجراءاته التخطيطية الرسمية، الممتدة على مدار أربعين شهرًا، والتي تشمل إعداد تقييم مفصل للأثر البيئي بين الشهرين الثامن عشر والثلاثين، فإن خطوات التنفيذ بدأت بالفعل من خلال إصدار أوامر المصادرة والهدم.
ب.الأبعاد الجيوسياسية والإشكاليات القانونية
يثير مشروع منشأة تحويل النفايات إلى طاقة إشكاليات سياسية وقانونية بالغة الأهمية. فقد نص قرار الحكومة رقم 3012 (أيار/مايو 2025) صراحةً على تكليف وزارة الدفاع بنقل مسار جدار الفصل شمالاً، بما يسمح بضم الموقع المخصص للمنشأة إلى الحدود البلدية لمدينة القدس، وفق الحدود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية.
ولا يمكن النظر إلى تعديل مسار الجدار باعتباره إجراءً أمنيًا بحتًا، إذ يكشف عن توظيفه أداةً لإعادة رسم الحدود بما يخدم المشاريع الاستيطانية. فالمسار الذي قُدِّم على مدى سنوات باعتباره استجابةً لضرورات أمنية، يتبين أنه قابل للتغيير كلما اقتضت المصالح الاستيطانية ذلك، الأمر الذي يعكس سياسة ضمٍّ فعلي للأرض المحتلة تحت غطاء الإجراءات الإدارية والتخطيطية.
وعلاوة على ذلك، تفتقر عملية تخصيص الأرض لصالح مشروع تحويل النفايات إلى طاقة إلى أساس قانوني سليم. فقد صودرت هذه الأراضي قبل عقود بذريعة استخدامها لأغراض أمنية أو صناعية، بينما يجري اليوم توظيفها لإقامة منشأة بلدية ملوِّثة تخدم احتياجات المدن الإسرائيلية، وهو ما يشكل تغييرًا جوهريًا في الغاية التي صودرت الأرض من أجلها، بما يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر على سلطة الاحتلال استغلال الأراضي المحتلة بما يخدم مصالح سكانها المدنيين.
وتستند السلطات الإسرائيلية في ذلك إلى التعديل رقم (3) لأمر الأراضي، الذي يتيح تحويل الأراضي المصادرة إلى أراضي دولة يمكن تخصيصها لأي استخدام. غير أن الغاية الأصلية من هذا التعديل كانت تنظيم ملكية الدولة لمساحات واسعة من الأراضي التي صودرت سابقًا من الفلسطينيين داخل إسرائيل دون تحديد استعمال محدد لها، وليس إعادة توظيفها في مشاريع تخدم الاحتلال.
ومن ثم، لا يمكن النظر إلى مشروع منشأة تحويل النفايات إلى طاقة بمعزل عن مشروع مستوطنة عطاروت، بل يجب فهمهما باعتبارهما مشروعين متكاملين في منطقة تعاني أصلاً من مستويات مرتفعة وخطيرة من التلوث البيئي.
- إيداع خطة مستوطنة عطاروت (رقم 0764936-101) للمصادقة.
- القرار الحكومي رقم 1836، الذي استند إليه تسريع مشروع المنشأة بموجب القرار رقم 3067 لسنة 2025.
- لجنة التخطيط والبناء اللوائية في القدس تناقش خطة المستوطنة، بما في ذلك نتائج تلوث التربة والهواء.
- قرار الحكومة رقم 3012 يكلّف وزارة الدفاع بنقل مسار جدار الفصل شمالاً.
- إعلان وزير المالية يعيد تفعيل أوامر مصادرة تعود إلى عامي 1970 و1982.
- جارٍ الآنتوجيه أوامر إخلاء إلى عائلات في قلنديا البلد، مع مهلة عشرين يومًا للإخلاء.
ثالثًا:أوجه التعارض بين المشروعين
يشكل الجمع بين مشروع مستوطنة عطاروت ومنشأة تحويل النفايات إلى طاقة واحدةً من أبرز المفارقات التخطيطية في المنطقة. فعلى الرغم من تموضع المشروعين في الحيز الجغرافي نفسه، فإنهما يقومان على أهداف ومتطلبات متناقضة، الأمر الذي يخلق تعارضًا جوهريًا على المستويات التخطيطية، والبيئية، والصحية، والجيوسياسية.
أ.مفارقة التخطيط: منطقة سكنية بمحاذاة منشأة صناعية خطرة
يكمن التناقض الأساسي في إقامة مصدر رئيسي للتلوث على مسافة قصيرة جدًا من منطقة سكنية كثيفة السكان. فالمبادئ الأساسية للتخطيط الحضري تشترط وجود مناطق عازلة واسعة تفصل بين الصناعات الخطرة والتجمعات السكانية، وهو ما تتجاهله هذه الخطة بصورة كاملة.
- المخاطر الصحية الناجمة عن حرق النفايات: تُعد محارق النفايات من أبرز المصادر الثابتة لتلوث الهواء، إذ تستمر في إطلاق ملوثات خطرة حتى عند استخدام أحدث تقنيات الترشيح. ومن أبرز هذه الملوثات:
- الملوثات العضوية الثابتة (POPs): وهي مركبات شديدة السمية ومسرطنة، تتراكم في السلسلة الغذائية وفي جسم الإنسان، وتشكل خطرًا صحيًا بالغًا على سكان قلنديا البلد والتجمعات الفلسطينية المجاورة، بل وحتى على سكان مستوطنة عطاروت نفسها.
- الجسيمات الدقيقة (PM2.5): تطلق المنشأة جسيمات متناهية الصغر قادرة على النفاذ إلى أعماق الرئتين ومجرى الدم، مما يزيد من معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية المزمنة، مثل الربو والانسداد الرئوي المزمن، فضلاً عن أمراض القلب والأوعية الدموية، ولا سيما لدى السكان الذين يعيشون أصلاً في بيئة تعاني مستويات مرتفعة من التلوث.
- المعادن الثقيلة: تشمل الانبعاثات عناصر مثل الزئبق والرصاص والكادميوم، وهي مواد معروفة بتأثيراتها السامة على الجهاز العصبي، وتزداد خطورتها على الأطفال في المناطق السكنية المجاورة.
- النفايات السامة الناتجة عن عملية الحرق: لا يؤدي حرق النفايات إلى التخلص منها، وإنما يحولها إلى مخلفات أكثر خطورة. إذ تبقى نسبة تتراوح بين 20% و30% من حجم النفايات على شكل رماد متطاير يحتوي على تراكيز مرتفعة من المعادن الثقيلة والديوكسينات. ويستوجب ذلك نقل هذا الرماد وطمره في مواقع مخصصة للنفايات الخطرة، الأمر الذي ينطوي على خطر تسرب الملوثات إلى التربة وإلى الخزان الجوفي الجبلي، الذي يشكل مصدرًا مائيًا مشتركًا للفلسطينيين والإسرائيليين، في حال عدم التعامل مع هذه المخلفات وفق أعلى معايير السلامة.
إن إقامة منشأة لحرق النفايات على مقربة مباشرة من التجمعات السكنية تتناقض مع أبسط المبادئ التي يقوم عليها التخطيط الحضري السليم، والهادفة إلى توفير بيئة صحية وآمنة للسكان.
ب.التدهور البيئي التراكمي والتمييز البيئي
يؤدي تنفيذ المشروعين بالتزامن إلى مضاعفة الأعباء البيئية في منطقة تعاني أصلاً من مستويات مرتفعة من التلوث، بما يخلق أثرًا تراكميًا بالغ الخطورة يصعب تبريره من منظور التخطيط البيئي.
- تراكم مصادر التلوث: تُعد منطقة عطاروت الصناعية بالفعل إحدى بؤر التلوث الرئيسة في المنطقة. فقد أظهرت البيانات الرسمية التي عُرضت على لجنة التخطيط في كانون الثاني/يناير 2025 أن تركيز الجسيمات العالقة (PM10) تجاوز الحد التنظيمي البالغ 130 ميكروغرامًا/م³، ووصل في بعض القياسات إلى 153 ميكروغرامًا/م³. ويُضاف إلى هذا الواقع البيئي المتدهور التلوث الشديد في تربة موقع المستوطنة، حيث أظهرت الفحوصات أن مستويات عنصر الكوبالت تجاوزت الحدود المعيارية بما يقارب مئة ضعف. وفي ظل هذا الواقع، فإن إقامة محرقة نفايات ضخمة في منطقة تعاني أصلاً من الانبعاثات الصناعية، وحركة المرور الكثيفة، وصناعة الإسمنت، ستؤدي إلى خلق بيئة مفرطة التلوث، يُرجَّح أن تتفاقم فيها ظاهرة احتجاز الملوثات والضباب الدخاني داخل الأحواض السكنية في بيت حنينا وكفر عقب.
- نقل الأعباء البيئية إلى التجمعات الفلسطينية: يمكن فهم مشروع تحويل النفايات إلى طاقة باعتباره امتدادًا لسياسة تقوم على نقل الأعباء البيئية إلى التجمعات الفلسطينية. فبينما تجني المدن الإسرائيلية فوائد المشروع من خلال تحسين إدارة النفايات وإنتاج الطاقة، تتحمل التجمعات الفلسطينية المجاورة معظم آثاره السلبية، بما في ذلك تلوث الهواء، والروائح، والضوضاء، والزيادة الكبيرة في حركة الشاحنات الثقيلة. وبذلك تتحول منطقة قلنديا – عطاروت إلى ما يُعرف في أدبيات العدالة البيئية بـ«منطقة تضحية» (Sacrifice Zone)، أي منطقة تُحمَّل بصورة ممنهجة أعباءً بيئية جسيمة خدمةً لمصالح مناطق أخرى. وتزداد خطورة هذا الواقع بالنظر إلى محدودية قدرة السكان الفلسطينيين على التأثير في القرارات التخطيطية أو الاعتراض عليها، فضلاً عن غياب أي سلطة لهم في الرقابة على إجراءات السلامة داخل المنشأة. ورغم ذلك، تواصل سلطات التخطيط الإسرائيلية الدفع بالمشروعين معًا، من دون إجراء تقييم شامل للأثر البيئي التراكمي الذي سيلحق بالتجمعات الفلسطينية المحيطة.
ج.التداعيات الجيوسياسية وتقويض فرص الحل السياسي
لا يقتصر أثر المشروعين على الجوانب التخطيطية والبيئية، بل يمتد ليطال مستقبل القدس الشرقية وإمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة، بما يجعل منهما جزءًا من مشروع جيوسياسي أشمل.
- تعطيل البنية التحتية للعاصمة الفلسطينية المستقبلية: يشكل موقع مطار قلنديا الموقع الوحيد في المنطقة الذي يمتلك المقومات اللازمة لاستيعاب مطار دولي يخدم العاصمة الفلسطينية المستقبلية في القدس الشرقية. ومن شأن إقامة مستوطنة إسرائيلية حصرية على هذا الموقع أن تقضي نهائيًا على هذا الاحتمال، وتحرم الدولة الفلسطينية المستقبلية من أحد أهم عناصر سيادتها واتصالها بالعالم الخارجي.
- استكمال سياسة التطويق والتفتيت: يسهم مشروعا مستوطنة عطاروت ومنشأة تحويل النفايات إلى طاقة في استكمال سياسة تطويق التجمعات الفلسطينية شمال القدس الشرقية. فإنشاء كتلة عمرانية إسرائيلية واسعة، وربطها ببنية تحتية بلدية وأمنية جديدة، يعزز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة، ويعمّق عزل الأحياء الفلسطينية عن بعضها بعضًا، ويحد من إمكان توسعها العمراني مستقبلاً. كما أن نقل مسار جدار الفصل لخدمة مشروع منشأة تحويل النفايات يكشف بوضوح عن توظيف مشاريع البنية التحتية لترسيخ وقائع سياسية جديدة على الأرض، بما يخدم الضم الفعلي للموقع إلى القدس.
د.الاعتراضات القانونية والاجتماعية والاقتصادية
يثير المشروعان جملة من الإشكاليات القانونية والاجتماعية والاقتصادية، إذ يعمقان مظاهر التفاوت القائمة، ويتعارضان مع قواعد القانون الدولي الناظمة للأراضي المحتلة.
- توزيع غير عادل للأراضي: تعكس هذه المشاريع ما يمكن وصفه بالاستيلاء على مورد نادر يتمثل في الأرض. ففي الوقت الذي تعاني فيه التجمعات الفلسطينية المحيطة من أزمة سكن خانقة واكتظاظ سكاني شديد، تُخصص هذه الأراضي لإقامة مستوطنة مخصصة لليهود الحريديم، إلى جانب منشأة لمعالجة النفايات تخدم المدن الإسرائيلية. وتبلغ الكثافة السكانية في بعض المناطق الفلسطينية، مثل كفر عقب، ما بين 60 ألفًا و150 ألف نسمة ضمن مساحات محدودة، الأمر الذي يجعل تخصيص هذه الأراضي للمشاريع الاستيطانية بدلاً من تلبية الاحتياجات الفلسطينية تكريسًا لسياسات التمييز في توزيع الموارد. كما تعزز الخطة الفصل الاقتصادي والاجتماعي، إذ صُممت المناطق التجارية والخدمية والبنية التحتية الجديدة لتلبية احتياجات المستوطنين الإسرائيليين دون غيرهم.
- مخالفة قواعد القانون الدولي: يتعارض المشروعان مع عدد من المبادئ الأساسية في القانون الدولي. فإقامة المستوطنة تخالف المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على دولة الاحتلال نقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة. كما يتعارض المشروعان مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز/يوليو 2024، الذي أكد عدم قانونية الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. كذلك، فإن مصادرة الأراضي الفلسطينية واستخدامها لخدمة مشاريع تعود بالنفع على دولة الاحتلال وسكانها يشكل انتهاكًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولأحكام لوائح لاهاي لعام 1907 المتعلقة بحماية الملكية في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال.
تكشف هذه الورقة أن مشروع مستوطنة عطاروت ومشروع منشأة تحويل النفايات إلى طاقة ليسا مشروعين منفصلين، بل يمثلان وجهين لسياسة واحدة، رغم ما بينهما من تناقض واضح على المستوى التخطيطي.
ففي الوقت الذي تستهدف فيه خطة عطاروت استيعاب نحو 30 ألف مستوطن جديد، يؤدي إنشاء محرقة نفايات ضخمة بمحاذاة المنطقة السكنية المقترحة إلى رفع المخاطر الصحية والبيئية بصورة مباشرة، بما يجعل المشروعين متعارضين حتى وفق أبسط معايير التخطيط الحضري.
ويعكس هذا الجمع المتعمد بين التوسع الاستيطاني والبنية التحتية الصناعية الملوِّثة نهجًا تخطيطيًا يمنح الأولوية لترسيخ السيطرة على الأرض وإعادة هندسة الواقع الديموغرافي، على حساب الصحة العامة، وحماية البيئة، والحقوق الأساسية للفلسطينيين المقيمين في المنطقة.
صدرت هذه الورقة عن ائتلاف القدس لحقوق الإنسان (JHRC) والمركز العربي للتخطيط البديل.
